تونس والذكاء الاصطناعي: هل نتحول رقميا… أم نعيد إنتاج الإدارة القديمة بأدوات جديدة؟
لم يعد التحول الرقمي في تونس مجرد خيار تكنولوجي أو عنوان يتكرر في المؤتمرات. الدولة تدفع اليوم باتجاه إعادة تشكيل الإدارة والاقتصاد والخدمات العمومية على أساس رقمي، فيما يفتح الذكاء الاصطناعي والشركات الناشئة أبوابا جديدة أمام الابتكار.
فهل تتحول تونس فعلا إلى دولة رقمية، أم أنها تكتفي بنقل الإدارة القديمة من الورق إلى الشاشة؟
السؤال ليس افتراضيا
ففي الوقت الذي تتقدم فيه مشاريع الرقمنة، وتظهر منصات وخدمات جديدة، تتسع في المقابل الحاجة إلى حماية البيانات، وتأمين البنية التحتية الرقمية، وتطوير الكفاءات، وضمان ألا يتحول الانتقال الرقمي إلى مصدر جديد للفوارق بين الجهات والفئات
وهنا تبدأ القصة الحقيقية للتحول الرقمي في تونس: ليس في عدد المنصات والتطبيقات، وإنما في قدرتها على تغيير علاقة المواطن بالدولة، وطريقة عمل الإدارة، وقدرة الاقتصاد التونسي على إنتاج التكنولوجيا لا استهلاكها فقط
114 مشروعا مازالت في الطريق… و”خدمات” على الأبواب
تضع الدولة وفق ما تعلنه من توجهات التحول الرقمي في صلب رؤيتها للإصلاح الإداري والاقتصادي ففي فيفري 2026، أعلنت الحكومة أن 192 مشروعا في مجال التحول الرقمي كانت محل متابعة على المستوى الوطني، مؤكدة أن سنة 2026 ستكون سنة الانطلاق الفعلي نحو رقمنة الإدارة بشكل كامل، وتشمل الرؤية الوطنية للفترة 2026-2030 أهدافا تتعلق بتبسيط الإجراءات، وتحسين الخدمات، وتعزيز الترابط البيني بين الإدارات، وتطوير الدفع الإلكتروني
وفي 15 أوت 2026، كشفت الحكومة عن 114 مشروعا رقميا مازالت قيد الإنجاز، بالتوازي مع الإعلان عن الإطلاق الوشيك لتطبيق “خدمات”، الذي يفترض أن يتيح للمواطن أكثر من 40 خدمة إدارية عن بعد، مع إمكانية التعريف بالهوية الرقمية والدفع الإلكتروني.
أما برنامج التحول الرقمي للفترة 2025-2026 فيضم 138 مشروعاً، من بينها 99 مشروعا موجهة للتحول الرقمي للإدارة و18 مشروعا للنهوض بالاقتصاد الرقمي
رغم الأرقام تبدو كبيرة الا ان الرقم الأكثر أهمية هو ما سيحدث للمواطن بعد اكتمال هذه المشاريع، فإذا كان المواطن سيظل مطالبا بالتنقل بين أكثر من إدارة للحصول على وثيقة، أو بتقديم البيانات نفسها في أكثر من مناسبة، فإن نقل الإجراء إلى منصة إلكترونية لن يكون تحولاًد حقيقيا.
الرقمنة الحقيقية لا تعني تحويل الورقة إلى ملف PDF، بل إعادة تصميم المسار الإداري بأكمله. وهذا تحديدا ما بدأت الحكومة تؤكد عليه، من خلال الدعوة إلى إعادة هندسة الإجراءات ووضع مصلحة المواطن في قلب مسار التحول الرقمي
.
الذكاء الاصطناعي… عندما تصبح البيانات ثروة
في المرحلة القادمة، لن يكون السؤال فقط: هل توجد منصة إلكترونية؟ بل ماذا ستفعل تونس بكل البيانات التي تجمعها؟
فالذكاء الاصطناعي يحتاج إلى كميات كبيرة من البيانات حتى يتمكن من التحليل والتوقع واتخاذ القرار. لكن البيانات العمومية ليست مجرد أرقام فهي بيانات المواطنين، ومعطياتهم الإدارية والصحية والمالية والاجتماعية… وهنا تتحول الرقمنة إلى معادلة دقيقة: كلما زادت البيانات، زادت الحاجة إلى الحوكمة والحماية والثقة.
وتضع الحكومة البيانات المفتوحة والذكاء الاصطناعي ضمن مكونات الإدارة الرقمية التي تسعى إلى إرسائها، مع التأكيد في الوقت نفسه على ضرورة احترام قواعد السلامة والأمن السيبراني ونجاح هذه الرؤية يتطلب بالضرورة أكثر من اقتناء أنظمة ذكية، فهو يتطلب قواعد واضحة تحدد من يملك البيانات، ومن يستطيع الوصول إليها، وكيف يتم استخدامها، وإلى أي مدى يمكن توظيفها في تطوير الخدمات العامة.
فالمواطن الذي يمنح بياناته للإدارة يفترض أن يعرف أن هذه البيانات ستُستخدم لحمايته وتحسين الخدمة المقدمة إليه، لا لتتحول إلى مادة مجهولة المصير داخل أنظمة لا يعرف كيف تعمل.
الثقة ستكون العملة الحقيقية للاقتصاد الرقمي.
الأمن السيبراني: الوجه الآخر للرقمنة
كلما أصبحت الدولة أكثر اعتمادا على التكنولوجيا، أصبحت أكثر تعرضا للمخاطر الرقمية، وتقدم الأرقام الرسمية للوكالة الوطنية للسلامة السيبرنية صورة واضحة عن حجم التحدي.
خلال النصف الأول من سنة 2026، أعلنت الوكالة عن 35 ألف هجوم DDoS تم اكتشافه في تونس، فيما بلغ عدد الحوادث المصرح بها عبر مختلف مكونات الفضاء السيبرني الوطني 657,540 حادثا، كما نشرت الوكالة 336 إشعارا أمنيا يتعلق بالثغرات والبرمجيات الخبيثة التي يمكن أن تهدد الفضاء السيبرني الوطني.
وتظهر بيانات الوكالة أن التصيد الإلكتروني ومحاولات النفاذ غير الآمن يمثلان جزءا مهما من الحوادث المعالجة.
فهل تستطيع البنية الأمنية مواكبة السرعة التي تتوسع بها الرقمنة؟
الخدمة الرقمية التي لا تعمل ليست مجرد خدمة سيئة، وقاعدة البيانات التي تتعرض للاختراق ليست مجرد مشكلة تقنية، وتسرب المعطيات الشخصية لا يمثل عطلا عابرا…كل ذلك يمكن أن يتحول إلى أزمة ثقة في المؤسسات. ولهذا فإن الأمن السيبراني لا ينبغي أن يأتي في نهاية مشروع الرقمنة، وإنما يجب أن يكون جزءا منه منذ مرحلة التصميم.
الشركات الناشئة: هل تمتلك تونس ما يكفي لصناعة المستقبل؟
في الجانب الآخر من المشهد، هناك طاقة بشرية شابة تحاول تحويل التكنولوجيا إلى مشاريع اقتصادية، وتونس تمتلك منظومة قانونية خاصة بالشركات الناشئة منذ اعتماد”Startup Act” الذي يتضمن 20 إجراء لفائدة أصحاب المشاريع والمستثمرين والشركات الناشئة.
كما تظهر بيانات منصة Startup Tunisia استمرار منح علامات الشركات الناشئة خلال سنة 2026، بما يؤكد استمرار ديناميكية هذا القطاع.
لكن إنشاء شركة ناشئة شيء، وتحويلها إلى مؤسسة قادرة على النمو والمنافسة الدولية شيء آخر. فالشركات الشابة تحتاج إلى التمويل، لكنها تحتاج أيضا إلى السوق، وتحتاج إلى التشريع، و تحتاج كذلك إلى إدارة قادرة على التجريب والابتكار، وتحتاج إلى الكفاءات، لكنها تحتاج أيضا إلى ربط حقيقي بين الجامعة ومراكز البحث والمؤسسات الاقتصادية.
ومن هنا يمكن أن يكون التحول الرقمي فرصة تاريخية أمام تونس:
أن تنتقل من استهلاك التكنولوجيا إلى إنتاج حلول رقمية قابلة للتصدير.
فالذكاء الاصطناعي يمكن أن يخدم كل القطاعات الفلاحة، والصحة، والتعليم، والطاقة، والنقل، والخدمات المالية والإدارة.
وان كانت تونس تستطيع استخدام هذه التكنولوجيا فهل تستطيع تحويلها إلى قيمة اقتصادية تونسية؟
المواطن… الاختبار الأصعب
قد تنجح الدولة في إطلاق عشرات المنصات، وقد تنجح الشركات في تطوير مئات التطبيقات، لكن هناك اختبارا واحدا لا يمكن التحايل عليه:
هل يحسن التحول الرقمي حياة المواطن؟
المواطن في الداخل والجهات، الموظف، الطالب، المستثمر، الفلاح، الطبيب، صاحب المؤسسة الصغيرة… جميعهم يجب أن يكونوا جزءا من هذا التحول، فالعدالة الرقمية لا تعني أن تكون الخدمة موجودة على الإنترنت فقط إنها تعني أيضا أن تكون متاحة وقابلة للاستعمال لمن يعيش بعيدا عن المراكز الكبرى، ولمن لا يمتلك مستوى مرتفعا من المهارات الرقمية، ولمن يعاني من ضعف الاتصال أو محدودية الإمكانيات
ولهذا فإن التحول الرقمي يمكن أن يكون وسيلة لتقليص الفوارق الجهوية والاجتماعية، لكنه قد يؤدي أيضا إلى تعميقها إذا لم ترافقه سياسات للنفاذ الشامل والتكوين والمواكبة.
وقد وضعت الحكومة بالفعل “العدالة الرقمية وتقليص الفوارق الجهوية” ضمن الأهداف المعلنة للتحول الرقمي
من رقمنة الإدارة… إلى إعادة اختراعها
أكبر خطأ يمكن أن ترتكبه تونس هو التعامل مع التحول الرقمي باعتباره مشروعا تقنيا فقط، فالآلة لا تغير الإدارة وحدها، والمنصة لا تقضي على البيروقراطية وحدها، والذكاء الاصطناعي لا يصنع حكومة جيدة بمفرده.
كل هذه الأدوات تحتاج إلى إدارة مختلفة، وموظفين مدربين، وبيانات جيدة، وتشريعات واضحة، وآليات للمراقبة والتقييم. ولهذا فإن نجاح التحول الرقمي يتطلب قياس النتائج لا عدد المشاريع فقط. مثلا: كم من إجراء تم اختصاره؟ كم من يوم انتظره المواطن وتم توفيره؟ كم من وثيقة لم يعد مطالبا بتقديمها؟ كم من كلفة تم تخفيضها؟ وكم من حالة فساد أو تلاعب تم منعها بفضل الترابط الرقمي بين الإدارات؟…
هذه هي المؤشرات التي يجب أن تقيس نجاح الرقمنة، لا عدد التطبيقات التي تم إطلاقها.
تونس أمام فرصة… ولكن أيضا أمام اختبار
تملك تونس عناصر مهمة لبناء اقتصاد رقمي قادر على المنافسة: كفاءات بشرية، منظومة جامعية، شركات ناشئة، بنية اتصالات، خبرة تراكمية في الخدمات الرقمية، وإرادة رسمية معلنة لتسريع التحول، لكن، حتما، الفرصة وحدها لا تكفي.
فالتحول الرقمي يحتاج إلى استراتيجية واضحة، وتنفيذ سريع وشفاف، وحوكمة قوية للبيانات، واستثمار أكبر في الأمن السيبراني، وتكوين مستمر للكفاءات، ودعم فعلي للشركات الناشئة، وضمان للعدالة الرقمية
والأهم من ذلك كله: إعادة بناء علاقة المواطن بالدولة على أساس الثقة. لأن الدولة الرقمية التي يعرف فيها المواطن كيف تُستخدم بياناته، ويستطيع فيها الحصول على خدمته دون وساطة أو طوابير، ويجد فيها المستثمر إدارة أسرع وأكثر شفافية، هي التي تستحق فعلا أن تسمى دولة رقمية. أما مجرد تحويل الملفات الورقية إلى ملفات إلكترونية، فقد يكون رقمنة…
لكنه ليس بالضرورة تحولا.
هل ستنجح تونس في بناء اقتصاد ودولة رقميين ينتجان التكنولوجيا ويحميان البيانات ويضعان المواطن في المركز؟
أم سنجد أنفسنا، بعد سنوات، أمام إدارة قديمة… لكن بشاشات جديدة؟